أبي الفرج الأصفهاني

250

الأغاني

إسحاق الموصليّ في مكان ، وأن يكون دخولي إليك ودخوله في مكان ، فإن رأيت أن تجعل ذلك كما سألت فعلت ؛ قال : قد فعلت ؛ ولم أكن حاضرا لمسألته . فلمّا كان يوم دخولي عليه جاءني إبراهيم فدقّ بابي دقّا عنيفا وعرّفني الغلام خبره ؛ فقلت له : يدخل ؛ فأبى وقال له : قل له اخرج أنت ؛ فساء ظنّي واغتممت ، فخرجت إليه فقلت له : ما الخبر ؟ قال : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بالحضور ويأمرك ألا تدخل الدار إلَّا معي بعد أن أوجّه إليك فتركب إليّ وتمضي معي ؛ فمضيت معه على رغمي وأنا منكسر ، وكنت بقيّة يومي على تلك الحال . ثم ركبت إلى الفضل بن الرّبيع فشكوت ذلك إليه ؛ فقال : ما أرى أمير المؤمنين يحلَّك هذا المحلّ ؛ قم بنا إليه ؛ فقمت معه ، فدخل إلى الرشيد فقال له : يا أمير المؤمنين ، إسحاق وخدمته وحقوق أبيه عليك وعلى أمير المؤمنين / المهديّ تضع مقداره أن تجعله مضموما إلى إبراهيم ابن أخي سلمة ؛ قال : لا واللَّه ما فعلت هذا ؛ قال : إنه قد جاءني يبكي ويحلف إن جرى عليه هذا تاب من الغناء وتركه جملة ، ثم لو قتل لم يعد إليه ؛ فقال : ويحك ! واللَّه ما جرى من هذا شيء ، إلَّا أنّ إبراهيم ابن أخي سلمة جاء فقال : تشرّفني أن تجعل نوبتي مع نوبة إسحاق ووصولي مع وصوله ففعلت ؛ فقل له : يجيء متى شاء وينفرد عنه ولا يجيء معه ولا كرامة ؛ فأخبرني فرجعت . فلمّا كانت نوبتي جاء إبراهيم إليّ ففعل مثل فعله ؛ فقلت لغلامي : اخرج إليه فقل له : ولا كرامة لك يا زاني يا بن الزانية ، لا أجيء معك ولا أدعك تجيء معي أيضا ، وشتمه أقبح شتم ؛ فخرج الغلام فأدّى إليه / الرسالة ؛ فعلم أن هذا لم يتجرّأ عليه إلَّا بعد توثّق فخجل ، فقال له : قل له : ومن أكرهك على هذا ! إنما أحببت أن نصطحب ونتأنّس في طريقنا ، فإن كرهت هذا فلا تفعله ؛ وانصرف ولم يعاودني بعدها . كان له صوت إذا غناه أخذ بلحيته وبكى : أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن ابن المكَّيّ عن أبيه قال : كان إسحاق إذا غنّى هذا الصوت يأخذ بلحيته ويبكي : إذا المرء قاسى الدهر وابيضّ رأسه وثلَّم تثليم الإناء جوانبه فللموت خير من حياة خسيسة تباعده طورا وطورا تقاربه الشعر لزبّان بن سيّار الفزاريّ ، حدّثني بذلك الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكَّار عن عمّه . والغناء لإسحاق رمل بالوسطى . جفاه المأمون فأمر هو علوية أن يغنيه بشعر له فرضي عنه : أخبرنا محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه ، وأخبرنا يحيى بن عليّ عن أبيه عن إسحاق قال : / أقام المأمون بعد قدومه عشرين شهرا لا يسمع حرفا من الأغاني ، فكان أوّل من تغنّى بحضرته أبو عيسى بن الرشيد ، ثم واظب على السماع متستّرا متشبّها في أوّل أمره بالرشيد ، فأقام كذلك أربع حجج ، ثم ظهر إلى النّدماء والمغنّين . وكان حين أحبّ السماع سأل عنّي ، فجرحت بحضرته ، وقال الطاعن عليّ : ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة ! قال المأمون : ما أبقى هذا من التيه شيئا إلا استعمله . فأمسك عن ذكري ، وجفاني من كان يصلني ، لسوء رأيه الذي ظهر فيّ ؛ فأضرّ ذلك بي ؛ حتى جاءني علَّويه يوما فقال لي : أتأذن لي في ذكرك ؟ فإنّا قد